الاثنين، 30 أكتوبر 2023

كفاية الأخيار: (فَصْلٌ* وَالْمَسْحُ عَلَى الخُفَيْنِ جَائِزٌ بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ: أَنْ يَبْتَدِئَ لُبْسُهُمَا بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ، وَأَنْ يَكُوْنَا سَاتِرَيْنِ لِمَحَلِّ الْغُسْلِ مِنَ الْقَدَمَيْنِ، وَأَنْ يَكُوْنَا مِمَّا يُمْكِنُ مُتَابِعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهَا)

(فَصْلٌ* وَالْمَسْحُ عَلَى الخُفَيْنِ جَائِزٌ بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ: أَنْ يَبْتَدِئَ لُبْسُهُمَا بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ، وَأَنْ يَكُوْنَا سَاتِرَيْنِ لِمَحَلِّ الْغُسْلِ مِنَ الْقَدَمَيْنِ، وَأَنْ يَكُوْنَا مِمَّا يُمْكِنُ مُتَابِعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهَا) الأصل فى جواز المسح ما رواه مسلم عن جرير قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه وكان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة: فلا تكون آية المائدة الدالة على غسل الرجلين ناسخة للمسح قال النووى وغيره وأجمع من يعتد به فى الإجماع على جواز المسح على الخفين فى الحضر والسفر سواء كان لحاجة أو لغيرها حتى يجوز للمرأة الملازمة بيتها والزمن الذى لا يمشى والله أعلم، وأنكر الرافضة ومن تبعهم الجواز، وكذلك الشيعة والخوارج، قال الحسن البصرى. حدثنى سبعون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه عليه الصلاة والسلام كان يمسح على الخفين، وقد روى المسح من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلائق لا يحصون نعم هل الغسل أفضل لأنه الأصل، وبه قالت الشافعية وجماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبو أيوب الأنصارى رضي الله عنهم أم المسح أفضل؟ وبه قال جمع من التابعين: منهم الشعبى وحماد والحكم فيه من خلاف، وعن أحمد رويتان والراجح منهما المسح أفضل، والثانية هما سواء واختاره ابن المنذر من أصحاب الشافعى، والله أعلم: وفيه أحاديث سنوردها فى محلها إن شاء الله تعالى.

إذا عرفت هذا فلجواز المسح على الخفين شرطان: أحدهما أن يلبس الخفين حميعا على الطهارة كاملة فلو غسل رجلا ثم لبس خفها ثم غسل الأخرى ولبس خفها لم يجز المسح لأنه لم يدخلهما بعد طهارة كاملة ولو ابتدأ اللبس وهو متطهر ثم أحدث قبل أن وصلت الرجل إلى قدم الخف لم يجز المسح نص عليه الشافعى فى الأم لأن الإعتبار بقرار الخف لا بالساق، واحتج لذلك بأحاديث: منها حديث المغيرة رضي الله تعالى عنه قال: (سَكَبْتُ الوَضُوءَ لِرَسُوْلِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى رِجْلَيْهِ أَهْوَيْتُ إِلَى الْخُفَّيْنِ لِأَنْزِعَهُمَا قَالَ: دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ) والوضوء بفتح الواو، فعلل عليه الصلاة والسلام جواز المسح بطهارتهما عند اللبس والحكم يدور مع العلة، وأصرح من هذا ما رواه الشافعى عن المغيرة قال: (قلت: يا رسول الله أمسح على الخفين؟ قال نعم: إذا أدخلتهما طاهرتين) ولفظة إذا شرط وإن كانت ظرفا. والله أعلم. الشرط الثانى: أن يكون الخف صالحا للمسح، ولصلاحيته أمور* الأول: ان يستر الخف جميع محل الغسل من الرجلين فلو قصر عن محل الفرض لم يجز المسح عليه بلا خلاف لأن ما ظهر واجبه الغسل وفرض المستتر المسح، ولا قائل بالجمع بينهما فيغلب الغسل لأنه الأصل وفى جواز المسح على المخرق قولان للشافعى: القديم الجواز مالم يتفاخش لأن المسح رخصة والتخرق يغلب فى الأسفار وهي محل يتعذر الإصلاح فيه غالبا: فلو منعنا المسح لضاق باب الرخصة، والأظهر أنه لا يجوز لما قلنا لأن ما ظهر يجب غسله ولو تخرقت الظهارة أو البطانة جاز المسح إن كان الباقى صفيقا وإلا فلا على الصحيح، ويقاس على هذا ما إذا تخرق من الظهارة موضع ومن البطانة موضع لا يحاذيه ولو كان الخف مشقوق القدم وشد بالعرى محل الشق فإن ظهر مع الشد شيء لم يجز المسح، وإن لم يظهر جاز على الصحيح الذى نص عليه الشافعى، فلو انفتح منه شيء فى محل الفرض بطل المسح فى الحال، وإن لم يظهر شيء لأنه إذ مشى ظهرت والله أعلم.

 الأمر الثاني: أن يكون الخف قويا بحيث يمكن متابعة المشي عليه بقدر ما يحتاج إليه المسافر في حوائجه عند الحط والتِّرْحَالِ لأن المسح رخص لما تدعو إليه الحاجة في لبسه مما يمكن متابعة المشي عليه وهو كذلك وما لا فلا. قال الشيخ أبو محمد: وأقل حد المتابعة على التقريب لا التحديد مسافة القصر وقال الشيخ أبو حامد: يقدر بثلاثة أميال، والأول المعتمد، ولا فرق فيما يمكن متابعة المشي عليه بين أن يكون من جلد ومن شعر أو قطن أو لبد، أما ما لا يمكن متابعة المشي عليه إما لضعفه كالمتخذ من الخرق الخفيفة ونحوها، وكذا جوارب الصوفية التي لا تمنع نفوذ الماء فلا يجوز المسح عليها، وإما لقوته كالمتخذ من الحديد ونحوه فلا يجوز المسح عليه، وقول الشيخ {على الخفين} يؤخذ منه أن ما لا يسمى خفا لا يجوز المسح عليه حتى لو شد على رجليه قطعة جلد بحيث لا ترى البشرة وأمكن متابعة المشي عليها لم يجز المسح على المذهب وقطع به في الروضة والله أعلم.

الأمر الثالث: أن يمنع نفوذ الماء، فإن لم يمنع فلا يجوز المسح عليه على الراجح لأن الغالب في الخفاف كونها تمنع نفوذ الماء فتنصرف النصوص إليه.

الأمر الرابع: أن يكون الخف طاهرا. قال ابن رفعة: اتفق الأصحاب كافة على اشتراط كونه طاهرا فلا يجوز على خف متخذ من جلد ميتة لم يدبغ قال في الذخائر: أو دبغ وتنجس ما لمي يطهر لامتناع الصلاة به وكذا صرح به النووي في شرح المهذب. والله أعلم.

(فرع) لو لبس خفا فوق خف لشدة البرد نظر إن كان الأعلى صالحا للمسح عليه دون الأسلف لضعف أو لتخرّقه جاز المسح على الأعلى دون الأسفل، وإن كان الأسفل صالحا دون الأعلى فالمسح على الأسفل جائز فلو مسح الأعلى فوصل الماء إلى الأسفل فإن قصد مسح الأسفل جاز وكذا إن قصدهما على الراجح وإن قصد الأعلى فقط لم يجز وإن لم يقصد واحدا منهما بل قصد المسح في الجملة أجزأ على الراجح لقصد إسقاط فرض الرجل بالمسح، وإن كان كل من الخفين لا يصلح للمسح تعذر المسح، وإن كان من الخفين صالحا للمسح: ففي جواز المسح على الأعلى وحده قولان: القديم الجواز لأن الحاجة قد تدعو إليه كما تدعو إلى الخف الواحد، والجديد وهو الأظهر عند الجمهور أنه لا يصح ونص عليه الشافعي في الأم لأن غسل الرجل أصل والمسح رخصة عامة وردت في الخف لعموم الحاجة إليه والحاجة إلى خف فوق خف خاصة فلا تتعدى الرخصة إليه، ولأن الأعلى ساتر للممسوح فلم يقم في إسقاط الفرض الممسوح كالعمامة والله أعلم.

(فرع) لو لبس الخف فوق الجبيرة فالأصح أنه لا يجوز المسح عليه لأنه ملبوس فوق ممسوح فلم يجزئ المسح عليه كمسح العمامة بدل الرأس والله أعلم. قال:

(وَيَمْسَحُ الْمُقِيْمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِهِنَّ)

الأصل في ذلك حديث أبي بكر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَرْخَصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، وللمقيم يوما وليلة إذا تطهر ولبِس خفَّيْهِ أن يمسح عليها) وعن صفوان بن عسَّال رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليَهُنَّ إلا من جنابة. ولكن من بول أو غائط أو نوم فلا)، وللشافعي قول قديم أنه لا يتأقت لأنه مسح على حائل فلا يتقدر كالمسح على الجبيرة، وبه قال مالك، واحتج له بحديث أُبَيَّ بن عِمَارَة، واتفق الحفاظ على أنه ضعيف لا يحتج به، والقياس ملغى مع وجود النص. قال:

(وَابْتِدَاءُ المُدَّةِ مِنْ حِيْنَ يُحْدِثُ بَعْدَ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ)

إذا فرَّعْنا على الصحيح وهو تقدير المدة بيوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام للمسافر فابتداء المدة من الحدث بعد لبس الخف لأن المسح عبادة مؤقتة فكان أول وقتها من وقت جواز فعلها كالصلاة، ومقتضى هذا التعليل أن ماسح الخف لا يجوز له تجديد الوضوء، لكن قال ابن رفعة: إنه مكروه بلا شك، وقد جزم النووي في شرح المهذب بأن تجديده مستحب، وحكى الرافعي عن داود أن ابتداء المدة من اللبس، وحكاه النووي في شرح المهذب عن ابن المنذر وأبي ثور ثم قال: إنه المختار لأنه مقتضى أحاديث الباب الصحيحة والله أعلم. واعلم أن المسافر إنما يمسح ثلاثة أيام إذا كان سفره طويلا فإن قصر مسح يوما وليلة ويشترط أيضا أن لا يكون سفره معصية فإن كان معصية كمن سافر لأخذ المكس أو بعثه ظالم لأخذ الرشا والبراطيل والمصادرة ونحو ذلك أو كان عليه حق لآدمي يجب عليه أداؤه إليه فلا يترخص ثلاثة أيام، وإن كان سفره واجبا كسفر الحج وغيره هل يترخص يوم وليلة؟ قيل لا يترحص البتة لأن المسح رخصة فلا يتعلق بالمعاصي والراجح أن يترخص يوما وليلة، والخلاف جار فى العاصي بالإقامة كالمقيم ببلد يطرح على الناس واتباعه وكالعبد الآبق ونحوهما والله أعلم. قال:

(فَإِنْ مَسَحَ فِيْ السَّفَرِ ثُمَّ أَقَامَ أَوْ مَسَحَ فِيْ الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيْمٍ)

لأن المسح عبادة اجتمع فيها الحضر والسفر فغلب حكم الحضر كما لو كان مقيما في أحد طرفي الصلاة لا يجوز له القصر. وقوله: {فإن مسح في السفر ثم أقام} أي إذا لم يمض يوم وليلة فإنه حينئذ يتم مسح مقيم أما إذا مضى يوم وليلة فأكثر في السفر فإنه يستأنف المسح، قوله: [فإن مسح] هل المراد أنه مسح كلا الخفين ثم سافر أم مسح في الجملة وتظهر فائدة ذلك فيما إذا مسح إحدى رجليه في الحضر، ثم مسح الأخرى في السفر هل يمسح مسح مقيم أم مسافر؟ والذي جزم به الرافعي أن يمسح مسح مسافر، قال: لأن الإعتبار بتمام المسح وقد وقع في السفر، وقال النووي: الصحيح المختار أنه يمسح مسح مقيم لتلبسه بالعبادة في الحضر. والله أعلم.

(فرع) لو شك المسافر هل ابتدأ المسح في الحضر أو السفر أخذ بالحضر ويقتصر على يوم وليلة كما لو شك الماسح في السفر أو في الحضر في انقضاء المدة يجب الأخذ بانقضائها والله أعلم.

(فرع) أقل المسح ما ينطلق عليه اسم المسح من محل فرض الغسل في الرجل من أعلى الخف فلا يجوز الإقتصار على الميح على أسفله ولا على عقب الخف ولا على حرفه ويجزئ المسح بخرقة وخشبة ونحوهما ولو قطر الماء على الخف أجزأه ما في مسح الرأس، والسنة أن يمسح أعلاه وأسفله، ولو كان عند المسح على أسفل خفه نجاسة لم يجز المسح عليه. قال:

(وَيَبْطُلُ المَسْحُ بثلاثة أشياء: بخلعهما، وانقضاء المدة، وما يوجب الغُسلَ)

لجواز المسح غايات فإذا وجد أحدها بطل المسح، منها إذا خلع خفيه أو أحدهما أو انخلع الخف بنفسه أو خرج الخف عن صلاحية المسح عليه لتخرقه أو ضعفه أو غير ذلك فإنه لا يمسح والحالة هذه إذا كان على طهارة المسح لأنه بوجود ذلك وجب الأصل وهو الغسل، وهل يلزمه استئناف الوضوء أو غسل الرجلين فقط قولان الراجح غسل القدمين فقط، ومنها انقضاء مدة المسح فإذا مضى يوم وليلة للمقيم أو ثلاثة أيام للمساف بطل مسحه واستأنف لبسا جديدا كما في الابتداء لحديث أبي بكرة وصفوان رضي الله عنهما. ومنها أن يلزم الماسح الغسل لحديث صفوان: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ننزع خفافنا إلا من جنابة) ولو تنجست رجل في الخف ولم يمكن غسلها فيه وجب النزع لغسلها فإن أمكن غسلها في الخف فغسلها لم يبطل المسح.

(فرع) إذا كان الشخص سليم الرجلين ولبس خفا في أحدهما لا يصح مسحه فلو لم يكن له إلا رجل جاز المسح على خفها ولو كانت إحدى رجليه عليلة بحيث لا يجب غسلها فلبس الخف في الصحيحة قطع الدارمي بأنه يصح المسح عليها وقطع الغزالي بالمنع والله أعلم. قال:


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تفسير مقاتل بن سليمان: سورة الفاتحة (1-7)

 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) ...